✍️ زاهر مستر ظط - المنظومة أونلاين | MOX
في كل مرة يظهر خبر عن اتصالات بين بورتسودان وأبوظبي أو لقاءات غير معلنة أو مفاوضات تجري خلف الأبواب المغلقة، ينشغل السودانيون بالسؤال الخطأ:
هل حدث اللقاء أم لم يحدث؟
بينما السؤال الحقيقي هو:
لماذا أصبحت مثل هذه الأخبار قابلة للتصديق أصلاً؟
الضجة الأخيرة حول ما عُرف إعلامياً بـ"جرسة المنامة" ثم نفي مجلس السيادة للخبر، كشفت شيئاً مهماً للغاية.
القضية ليست في المنامة، وليست في البحرين، وليست حتى في صحة الخبر أو عدم صحته.
القضية أن الحرب السودانية دخلت مرحلة جديدة تجاوزت منطق المعارك العسكرية الخالصة إلى معركة أكبر وأخطر: معركة تحديد شكل السلام القادم.
هناك قراءة متداولة تقول إن النفي جاء لأن البرهان تفاوض مع الإمارات دون تنسيق مع السعودية، وأن الرياض اعتبرت ذلك تجاوزاً لا يمكن السكوت عنه، لذلك جاء النفي سريعاً لتبريد الأزمة.
قد يكون في هذه القراءة جزء من الحقيقة، وقد لا يكون، لكن المؤكد أن رد الفعل السريع على الخبر يكشف حجم الحساسية الإقليمية المحيطة بالملف السوداني.
فالسودان لم يعد ملفاً داخلياً منذ وقت طويل.
كل خطوة سياسية أو عسكرية أصبحت مرتبطة بحسابات إقليمية ودولية معقدة تتجاوز الخرطوم وبورتسودان والفاشر ونيالا.
لكن ما أراه أخطر من قصة المنامة نفسها هو أن كثيراً من السودانيين ما زالوا يعتقدون أن الصراع الدولي يدور حول من ينتصر في الحرب.
بينما الواقع يقول إن القوى الكبرى تجاوزت هذه المرحلة.
الحقيقة المهمة:
اليوم لا تدور المعركة الأساسية حول من يسيطر على مدينة أو ولاية، بل حول من يملك حق كتابة قواعد السودان بعد الحرب.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
البرهان من جانبه يحاول تثبيت معادلة واضحة:
الدولة أولاً ثم التفاوض.
بمعنى أن أي عملية سياسية يجب أن تنطلق من الاعتراف الكامل بمؤسسات الدولة والجيش وشرعية السلطة القائمة.
أما المجتمع الدولي، خصوصاً واشنطن وبعض القوى الغربية، فيبدو أنه تنظر إلى الأزمة من زاوية مختلفة.
هم لا يسألون فقط عن كيفية إنهاء الحرب.
بل يسألون أيضاً:
كيف يمكن إدارة السودان بعد انتهاء الحرب؟
وهذا السؤال وحده يفسر كثيراً من التحركات التي تبدو متناقضة في ظاهرها.
فحين تتحدث الأمم المتحدة مع أطراف مختلفة، وحين تفتح عواصم إقليمية قنوات اتصال متعددة، وحين تظهر مبادرات تتجاوز الرواية الرسمية لبورتسودان، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تريد إسقاط الدولة أو دعم طرف ضد آخر.
بل لأنها تبحث عن صيغة تمنع انفجار السودان مجدداً بعد أي اتفاق سلام.
ومن هنا يمكن فهم سبب التوتر المستمر بين رؤية بورتسودان ورؤية المجتمع الدولي.
بورتسودان تريد سلاماً يأتي بعد تثبيت انتصار الدولة.
أما المجتمع الدولي فيريد سلاماً يمنع أي طرف من احتكار المشهد بالكامل.
ولهذا يبدو أحياناً أن الطرفين يتحدثان عن السودان نفسه لكنهما يتحدثان بلغتين مختلفتين.
الخطأ الذي يقع فيه كثير من المحللين هو الاعتقاد أن البرهان يرفض التفاوض.
في تقديري الشخصي لا توجد سلطة في العالم تخوض حرباً بهذا الحجم ثم ترفض التفاوض بشكل مطلق.
السؤال ليس هل يتفاوض؟
السؤال هو: متى يتفاوض؟ ومن موقع أي قوة؟ وتحت أي شروط؟
وهذا ما يفسر حالة التذبذب الظاهري بين الخطاب العسكري والخطاب السياسي.
فالبرهان يدرك أن التنازل المبكر قد يُفقده أوراقاً مهمة.
وفي المقابل يدرك أن تجاهل الضغوط الدولية بالكامل قد يقوده إلى عزلة سياسية متزايدة.
لذلك يبدو أنه يحاول السير على حبل مشدود بين متطلبات الحرب ومتطلبات السياسة.
أما المجتمع الدولي فيبدو أنه وصل إلى قناعة مختلفة تماماً.
لا يريد انتصاراً كاسحاً لأي طرف.
ولا يريد انهيار الدولة.
ولا يريد استمرار الحرب.
لهذا السبب يتحرك في مساحة وسطية تحاول إنتاج تسوية قابلة للحياة، حتى لو أغضبت جميع الأطراف في بعض الأحيان.
الزيت الصافي:
لهذا أقول إن المنامة ليست القضية.
والإمارات ليست القضية.
والسعودية ليست القضية.
وحتى النفي نفسه ليس القضية.
القضية الحقيقية أن السودان يقترب شيئاً فشيئاً من مرحلة التفاوض على شكل الدولة القادمة.
ومن يعتقد أن الحرب اليوم تُدار فقط في الميدان العسكري، فهو يراقب نصف الصورة فقط.
النصف الآخر يُدار في الغرف المغلقة، وفي العواصم الإقليمية، وفي مكاتب الوسطاء الدوليين.
وهناك، بعيداً عن أصوات المدافع، تُرسم ملامح السودان الذي سيولد بعد الحرب.كما شرحنا ذلك في الورقة الأمريكية
🟪 المنظومة أونلاين MOX |عقل الدولة القادمة
في عالم متغير وسريع، امتلاك نظام رقمي لم يعد خيارًا بل ضرورة... متجر تطبيقات موكس
إذا كنت صاحب مشروع أو تسعى لبناء حضور رقمي احترافي، يمكنك الآن استكشاف خدماتنا عبر متجر المنظومة أونلاين MOX - دخول
![]() |
| دخول؛ @ |



