🟥 تغطية المنظومة أونلاين للمشهد السوداني
✍️ زاهر مستر ظط
مقدمة:
منذ لحظة الاستقلال، لم تنظر مصر إلى السودان كـ دولة مكتملة السيادة،
بل كامتداد جغرافي–أمني لا يحتمل الفراغ.
ليس هذا اتهاماً أخلاقياً، بل قراءة باردة للعقيدة السياسية المصرية:
مصر دولة مركزية تخاف من الجنوب أكثر مما تخاف من أي اتجاه آخر،
والنيل بالنسبة لها ليس نهراً فقط، بل شريان حياة غير قابل للمقامرة.
لهذا، كان السودان في العقل المصري واحداً من ثلاثة أشياء لا رابع لها:
- منطقة عازلة
- عمق أمني
- ساحة نفوذ يجب ألّا تخرج عن السيطرة
- ولأن السودان لم يبنِ دولة قوية،
- فقد قبل — أحيانًا بالصمت، وأحياناً بالارتهان — أن يُدار كملف لا كشريك.
من عبد الناصر إلى السادات،
ومن مبارك إلى ما بعد 2011،
ظلّ الثابت واحداً:
القاهرة لا تريد سودانًا قويًا مستقل القرار… بل سودانًا متوقع السلوك.
ولهذا السبب:
- دعمت أنظمة عسكرية على حساب التحول المدني
- غضّت الطرف عن انقلابات
- نسّقت مع قوى أيديولوجية رغم عدائها لها داخلياً
- طالما أنها تضمن الاستقرار من وجهة نظرها
- وهنا نصل إلى النقطة الأخطر…
التحالف غير المعلن: مصر وكيزان السودان
رغم العداء المعلن بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين،
إلا أن القاهرة نسّقت لسنوات طويلة مع كيزان السودان.
لماذا؟
لأن السياسة لا تُدار بالشعارات،
بل بالوظائف.
الكيزان في السودان قدّموا لمصر ثلاث ضمانات:
- جيش متماسك تحت سيطرة أيديولوجية واضحة
- عداء صريح لأي مشروع ديمقراطي قد ينتج فوضى جنوب الحدود
- قابلية عالية للتنسيق الأمني بعيدًا عن أعين الشعوب
بعبارة أوضح:
- مصر لم تكن تثق في الكيزان… لكنها كانت تعتمد عليهم.
- وهذا يفسّر صمتًا طويلًا،
- وتواطؤًا أحيانًا،
- وتغاضيًا عن جرائم سياسية وإنسانية،
- طالما أن الجنوب هادئ، والنيل آمن.
اللحظة الفاصلة: حين سقط “الضامن”
ما يحدث الآن مختلف جذرياً.
لأول مرة منذ عقود،
الجيش السوداني لم يعد الضامن الوحيد للأمن القومي المصري جنوباً.
البرهان تحديداً — وليس الجيش كمؤسسة —
فقد قدرته على لعب هذا الدور:
- لا يسيطر على الجغرافيا
- لا يضمن وحدة القرار
- لا يستطيع منع التفكك
- ولا يملك شرعية داخلية أو خارجية كافية
- وهنا اتخذت القاهرة قراراً صامتًا لكنه حاسم:
- فك الارتباط التدريجي مع الرهان القديم.
إعادة تأهيل قواعد جنوب مصر،
تغيير في لغة البيانات،
تعدد قنوات التواصل،
وتراجع الاعتماد على “الضامن السوداني”.
هذه ليست صدفة.
هذه إعادة تموضع استراتيجي.
هناك تطورات فعلية حول قواعد عسكرية مصرية جنوب البلاد، وليست مجرد إشاعات، لكن التفاصيل مهمة للتفريق بين حقائق مؤكدة وتكهنات غير موثوقة حتى الآن.
🛡️ تحويل مطار شرق العوينات إلى قاعدة عسكرية (خبر مؤكد تداوله الإعلام المصري)
هناك تقارير محلية حديثة تشير إلى أن مطار شرق العوينات المدني في مصر يخضع لأعمال إنشاء وتحويل إلى قاعدة عسكرية، بما في ذلك:
- توسيع المدارج
- إضافة مبانٍ تشغيلية
- دشم تخزين محصنة
- تحضير منشآت مساندة لقاعدة برنيس الاستراتيجية على البحر الأحمر
وهذا يشير إلى:
إعادة انتشار وتوسيع القدرات العسكرية المصرية جنوباً وغرباً، في إطار تعزيز العمق الاستراتيجي وحماية الحدود والمصالح الحيوية. �
📌 لماذا هذا يحدث الآن؟
القرار يتماشى مع سياق أوسع في السياسات المصرية، أبرزها:
🔹 تعزيز الانتشار الاستراتيجي
بعد التطورات في:
- ليبيا
- السودان
- البحر الأحمر
مصر تُعيد ترتيب قواتها على المحاور الجنوبية والغربية لضمان العمق الاستراتيجي، خصوصاً اتجاهات التهديد والقضايا الحدودية.
وهذا يشبه خطوات سابقة من قبل الجيش المصري لتعزيز قواعد مثل برنيس وغيرها. �
📌 ما يعنيه هذا عمليًا
هذه التحركات عادة ما تكون:
- استراتيجية دفاعية وليست هجومية
- تهدف لحماية الحدود والعمق الأمني
- وتأتي ضمن تحديث القوات وليس “انتشار أجنبي”
في السياق السوداني والإقليمي:
مثل هذه التحركات تُقرأ في إطار حماية الأمن الوطني المصري من تداعيات الصراعات في السودان وليبيا والبحر الأحمر، وليس كجزء من “قاعدة احتلال” أو استعمار جديد.
قراءة مخابراتية:
🧑🔧مصر لأول مرة منذ 1956:
- تفك ارتباطها بفكرة “الجيش السوداني كحائط صد لأمنها الجنوبي”
- وتنتقل إلى منطق البدائل المباشرة (قواعد – انتشار – ترتيبات إقليمية)
- هذه نقلة استراتيجية، وليست تكتيكاً.
ثانياً: البرهان لم يعد “الضامن”
وهذه نقطة كسر الواقع 🔥
تاريخياً:
مصر كانت ترى في الجيش السوداني (بقيادته التقليدية) ضمانة
اليوم:
- البرهان لم يعد قادراً على الضبط
- الجيش منهك – منقسم – فاقد للمبادرة
- وبالتالي: الضمان انتهى
👉 لهذا ظهرت:
- إعادة تأهيل قواعد جنوب مصر
- تدويل تدريجي لأمن البحر الأحمر
- تنسيق رباعي يتجاوز الخرطوم
ثالثاً: فك الارتباط مع كيزان السودان
هنا النقطة التي كثيرون لا يلتقطونها 👇
رغم عداء مصر العلني للإخوان:
كانت تتعامل براغماتياً مع كيزان السودان
لأنهم:
- منضبطون
- يسيطرون على مفاصل الدولة
- قادرون على تنفيذ تفاهمات أمنية
الآن؟
الكيزان تحولوا من أصل إلى عبء
- لا دولة
- لا قرار
- لا سيطرة
📌 وبالتالي:
مصر لم تغيّر موقفها الأيديولوجي
بل غيّرت رهانها الواقعي
رابعاً: هل هذا استعمار جديد؟
الإجابة الذكية (وليست الشعبوية):
❌ ليس استعمارًا تقليديًا
✅ لكنه نظام وصاية أمنية – سياسية ناعمة
لأن:
السودان لم يكن يوماً صاحب قرار سيادي كامل
الفرق الآن:
- التبعية كانت مقنّعة
- اليوم أصبحت معلنة وبلا رتوش
السودان الدولة الوحيدة التي كلما تقدم بها الزمن… ازداد ماضيها لمعانًا وحاضرها قتامة
خلونا نفكك بهدوء استراتيجي.
أولاً: ماذا تعني القاعدة جنوب مصر في الحساب السوداني؟
هذه القاعدة ليست موجهة ضد السودان، لكنها:
- تُعيد ضبط ميزان السيطرة على المجال الحيوي المشترك بين مصر والسودان وليبيا والبحر الأحمر.
- يعني السودان لم يعد “فراغًا مفتوحاً” في الحسابات العسكرية الإقليمية.
ثانياً: الأثر العسكري المباشر
خنق أي سيناريو تقسيم
مصر تعتبر:
- تقسيم السودان = تهديد وجودي مباشر
- أي كيان غير منضبط جنوب حدودها = خطر استراتيجي
وجود قاعدة جنوب مصر يعني:
- قدرة تدخل سريع
- مراقبة جوية مستمرة
- منع تحوّل دارفور أو كردفان إلى كيان خارج السيطرة الدولية
الخلاصة:
سقوط الأبيض أو كادقلي بدون ضبط دولي أصبح شبه مستحيل.
تحجيم الدعم السريع لا دعمه
القاعدة:
- لا تخدم حركات غير نظامية
- ولا تُدار بعقيدة “الميليشيا”
- لا تدعم استمرار الحرب
بل:
تُعزز منطق الدولة – حتى لو كانت دولة ضعيفة أو انتقالية.
وهذا يفسر:
- الضربات الدقيقة
- منع الاجتماعات الداعمة للحرب
- تضييق المجال على تحركات غير منضبطة
ثالثًا: الأثر السياسي على البرهان
وجود هذه القاعدة يضع البرهان أمام خيارين فقط:
- الانخراط الكامل في ترتيبات ما بعد الحرب
- أو التحول إلى عبء يمكن تجاوزه
لأن:
مصر لن تدافع عن شخص… بل عن استقرار حدودها.
وبالتالي:
- البرهان لم يعد “الضامن الوحيد”
- بل أصبح أحد الخيارات
رابعًا: علاقتها بالرباعية والمرحلة الصلبة
القاعدة هي:
الذراع الصلبة لما يسمى “الانتقال الصلب”.
الرباعية:
- تدير السياسة
- تدير الاقتصاد
- تدير الشرعية
ومصر:
- تضبط الجغرافيا
- تمنع الانفلات
- تؤمن الممرات
يعني:
السودان دخل مرحلة “الإدارة متعددة المستويات”.
خامسًا: لماذا الآن؟
لأن:
- ملف السودان أُغلق سياسيًا
- وبدأت مرحلة التنفيذ
- ولم يعد مسموحاً بالمفاجآت العسكرية
ولهذا:
- أي تحرك كبير سيكون مكشوفًا
- أي تصعيد غير منضبط سيتم كبحه
- أي لاعب خارج الصف سيتم تحييده
سادسًا: ماذا يعني ذلك للسودانيين؟
بصراحة قاسية:
- لا سيادة كاملة الآن
- لكن أيضًا لا فوضى شاملة
- ولا تقسيم عشوائي
نحن في:
مرحلة إنقاذ الدولة… لا بناء الديمقراطية.
الخلاصة ☕🚬
إعادة تأهيل قاعدة عسكرية جنوب مصر تعني للسودان:
⛔ لا تقسيم
⛔ لا حرب مفتوحة
⛔ لا ميليشيا بلا سقف
✔️ إدارة صارمة للانتقال
✔️ تحجيم العنف
✔️ ضبط الحدود
لكنها أيضًا تعني:
أن القرار السوداني لن يعود سودانياً كاملاً قريباً.
والسؤال الحقيقي ليس: هل هذا جيد أم سيئ؟
بل:
هل ننجح في استعادة الدولة قبل أن تطول الوصاية؟





