🟥 تغطية المنظومة أونلاين للمشهد السوداني
✍️ زاهر مستر ظط
مقدمة:
لم يعد ممكنًا التعامل مع ظاهرة الإسلام السياسي بوصفها مجرد تعبير ديني أو انحراف فكري محلي. فهذه الظاهرة، سنّيّة كانت أم شيعيّة، تشكّلت تاريخيًا في تفاعل مباشر مع التحولات الدولية الكبرى، وتغذّت على صراعات النفوذ، وأُعيد إنتاجها مرارًا بوصفها أداة سياسية قبل أن تكون مشروعًا عقائدياً.
منذ سبعينات القرن الماضي، تزامن صعود الإسلام السياسي مع لحظة عالمية فارقة: أقول المشروع القومي العربي، تراجع اليسار، وبداية إعادة تشكيل النظام الدولي تحت منطق الحرب الباردة. في تلك اللحظة، لم يكن الدين هو المحرّك الأساسي، بل الفراغ السياسي والاجتماعي، والعجز البنيوي للدولة الوطنية عن إنتاج شرعية حديثة ومستقرة.
الإسلام السياسي السني: النشأة والسياق الدولي
الإسلام السياسي السني لم ينشأ في بيئة واحدة ولا بقرار مركزي. الإخوان المسلمون سبقوا الثورة الإيرانية بعقود، والحركات السلفية والجهادية تطوّرت في سياقات متباينة. غير أن العامل المشترك بينها كان الاستفادة من الرعاية أو التسامح الدولي في مراحل محددة.
في أفغانستان، تحوّل الإسلام السياسي إلى أداة مواجهة مع الاتحاد السوفيتي، بدعم مباشر من الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما الإقليميين. لم يكن الهدف “نصرة الإسلام”، بل استنزاف الخصم الجيوسياسي. ومع انتهاء المهمة، تُركت هذه الحركات بلا مشروع دولة، فتحوّلت إلى عبء أمني عالمي.
في العالم العربي، جرى توظيف الإسلام السياسي السني كقوة موازنة للتيارات القومية واليسارية، وكبديل اجتماعي رخيص للدولة في مجالات التعليم والخدمات. هذه العلاقة لم تكن دائماً تحالفاً، لكنها كانت في كثير من الأحيان تعايشاً وظيفياً.
إيران بعد 1979: من الثورة إلى الاستثمار السياسي
الثورة الإيرانية شكّلت نقطة تحوّل كبرى، ليس فقط في العالم الشيعي، بل في فهم الدين بوصفه مشروع حكم. إيران لم تُنشئ الإسلام السياسي، لكنها كانت أول دولة حديثة تنجح في تحويله إلى نظام دولة متكامل، بجيش واقتصاد ومؤسسات.
منذ ذلك الحين، تبنّت طهران استراتيجية واضحة: بناء نفوذ طويل الأمد عبر حركات عقائدية مرتبطة بها تنظيمياً ومالياً. هذا النموذج طُبِّق بوضوح في الحالة الشيعية، لكنه لم يُغلق الباب أمام التعامل البراغماتي مع حركات سنّية حين تلاقت المصالح، كما في بعض فصائل المقاومة الفلسطينية.
هذا لا يعني أن إيران هي “العقل المدبّر” لكل الإسلام السياسي السني، كما يروّج البعض، بل يعني أنها استثمرت في واقع قائم، واستغلّت تناقضات الإقليم بذكاء سياسي، دون اعتبارات مذهبية صارمة عندما تفرض البراغماتية نفسها.
الخلاف السني–الشيعي: بين الحقيقة والتوظيف
الخلاف السني–الشيعي ليس وهماً ولا خدعة تاريخية. له جذوره العقائدية والفقهية والسياسية العميقة. غير أن هذا الخلاف، في شكله المعاصر، جرى تسييسه وتضخيمه بما يخدم مشاريع السلطة والنفوذ.
حين تقتضي المصالح، يتراجع الخطاب الطائفي، وحين تشتد المنافسة، يُستدعى التاريخ بكل رمزيته الدموية. الطائفية هنا ليست سبب الصراع بقدر ما هي لغة التعبئة، وسلاح نفسي لتجنيد الأتباع وتبرير العنف.
وجهان لعملة واحدة؟
رغم العداء الظاهري بين الإسلام السياسي السني والشيعي، فإن التشابه البنيوي بينهما لافت. كلاهما:
- يخلط بين المقدّس والسياسي
- يدّعي احتكار الحقيقة
- يقدّم نفسه وصيًا على المجتمع
- يعاني من أزمة إدارة الدولة الحديثة
الاختلافات العقائدية حقيقية، لكن المنهج السلطوي واحد. الدين يتحوّل من منظومة قيم إلى أداة ضبط اجتماعي، والمعارضة تُصنّف بوصفها خروجاً على العقيدة لا على السلطة.
الولايات المتحدة وإيران: منطق الردع لا قرار الحرب
الحديث المتكرر عن حرب أميركية وشيكة على إيران يعكس مناخ التوتر أكثر مما يعكس قرارًا استراتيجياً حاسماً. العلاقة بين الطرفين محكومة بمنطق الردع المتبادل، وحرب الظل، والعقوبات، والتفاوض غير المباشر.
الحرب الشاملة مكلفة، وغير مضمونة النتائج، وقد تفتح الإقليم على فوضى لا يمكن السيطرة عليها. لذلك، يبقى التهديد جزءاً من إدارة الصراع، لا إعلانًا نهائياً له.
خلاصة
الإسلام السياسي، سنّياً وشيعياً، ليس مؤامرة واحدة تُدار من غرفة مظلمة، ولا هو تعبير ديني بريء. إنه نتاج تفاعل معقّد بين فشل داخلي، وتوظيف خارجي، وطموح سلطوي يستخدم الدين كأكثر أدوات التعبئة فعالية.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في العقيدة، بل في تحويلها إلى مشروع حكم مغلق، يقدّم وعود الخلاص بينما يعيد إنتاج الأزمات نفسها، بأسماء مقدّسة هذه المرة.





