🟥 تغطية المنظومة أونلاين للمشهد السوداني
✍️ زاهر مستر ظط
مقدمة :
في إحدى مقالاتنا السابقة قلنا بوضوح: اتفاق هجليج لم يكن اتفاق نفط فقط؛ لم يكن صراع براميل ولا رسوم عبور، بل كان أول اختبار عملي لإعادة رسم ميزان النفوذ في السودان بعد سقوط
الدولة المركزية القديمة.
واليوم، بعد سنوات من الفوضى والحرب، نكتشف أن هجليج كانت مجرد
"بروفة" مبكرة
لما يجري الآن
على نطاق أوسع: إعادة هندسة السودان
سياسياً من الخارج، بأدوات محلية وواجهات مدنية محسوبة بعناية.
بريطانيا تعود… ولكن بلا جنود
- دبلوماسية نشطة.
- مراكز أبحاث تضخ تصورات جاهزة.
- واجهات مدنية "مقبولة دولياً".
- ضغط إنساني وإعلامي محسوب.
بريطانيا اليوم لا تريد السودان كأرض، بل كـنقطة ارتكاز استراتيجية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
تريد دولة ضعيفة مركزياً، قوية إدارياً في ملفات تخدم الغرب: الهجرة، الموانئ، الذهب، الممرات البحرية، والحد من النفوذ الروسي والصيني.
ماذا يعني تحذير بنك السودان؟
عندما يحذر البنك المركزي من تطبيق مالي غير مرخص في مناطق "الدعم السريع"، فهذه ليست مسألة تقنية عابرة.
هذا اعتراف رسمي بأن هناك قد تم إنشاء "نظام مالي موازٍ" خارج سيطرة الدولة، يخدم اقتصاد الحرب ويُستخدم في الرواتب، التحويلات، وشراء الوقود والسلاح.
بمعنى آخر: الدعم السريع لم يعد يقاتل فقط، بل يبني
"دولة مالية ظل"، وهذا أخطر من المدفع.
اتفاق هجليج لم يكن نفطاً فقط
تحليلنا هنا كان سابقاً للحدث، وظهر اليوم تأكيده عملياً. عندما تحدثنا عن "بنك في نيالا" و"بنك في الشرق"، كنا نشير إلى توزيع مراكز المال كما تُوزع خطوط النار.
واليوم، التطبيق المالي في دارفور هو نسخة رقمية من "بنك نيالا" الذي استشرفناه سابقاً.
الهدف واضح: فصل دارفور واقتصادياً وليس سياسياً، وربطها بتحويلات خارج سيطرة الخرطوم لتمويل المعركة ذاتياً.
فرنسا والتوازن العسكري… فمن يصنع التوازن الاقتصادي؟
هنا ندخل قلب اللعبة الدولية. إذا كانت فرنسا (عبر تشاد وأفريقيا الوسطى) تضبط ميزان السلاح، فإن بريطانيا وأمريكا يراقبون ميزان المال والسيولة والنظام المصرفي.
لماذا؟ لأن الغرب لا يريد انتصاراً ساحقاً لطرف، ولا انهياراً كاملاً للدولة، بل يريد "صراعاً مُداراً" وتوازناً يمنع الحسم ويُبقي باب التسوية مفتوحاً.
أين بريطانيا من هذا المشهد؟
اربط معي بين ثلاث نقاط:
- لقاء الكتلة الديمقراطية مع المبعوث البريطاني.
- نشاط أوروبا مع تحالفات مدنية (صمود – حمدوك).
- ملف الاقتصاد الموازي الذي بدأ يظهر الآن.
بريطانيا تتحرك على محورين؛ سياسي:
بتحضير "الواجهة المدنية الجاهزة" لأي تسوية، واقتصادي: بمنع انفلات المال الموازي إلى درجة تدمير فكرة الدولة الواحدة.
ولهذا تحذير بنك السودان ليس معزولاً، بل يأتي في سياق ضغط دولي لمنع تشكّل "دولة مالية للدعم السريع".
هل نحن أمام معركة "من يتحكم في الجنيه وليس الخرطوم"؟
نعم، وبوضوح. المرحلة القادمة ليست معركة مدن فقط، بل معركة أنظمة دفع، تطبيقات، تحويلات خارجية، ومعركة الاعتراف المالي الدولي. ومن يكسب هذه الجولة، يربح ورقة الدولة.
الضغوط السياسية الثقيلة:
- فرنسا تضبط ميزان الرصاص.
- بريطانيا وأمريكا يراقبون ميزان السياسة والاقتصاد.
- الدعم السريع يحاول بناء اقتصاد ظل.
- الدولة تحاول منع التشظي المالي.
- الملف دخل الآن مرحلة "السيطرة على شرايين المال".
كل ذلك مؤشر على سحب الدولة من البرهان، و سوف يوقع على التسوية بدون شروطه.
من هجليج إلى بنك نيالا: عندما انتقلت الحرب من البندقية إلى الخزنة
في واحدة من مقالاتنا السابقة قلناها بوضوح: اتفاق هجليج لم يكن نفطاً فقط، كان صفقة نفوذ وإعادة توزيع أدوار، وبداية مرحلة جديدة من الحرب لا يُسمع فيها صوت الرصاص بقدر ما يُسمع صوت التحويلات البنكية.
يومها ظن كثيرون أننا نبالغ، واليوم، عندما يخرج بنك السودان المركزي ليحذر من تطبيق مالي في مناطق الدعم السريع، نفهم أن القصة كانت قراءة مبكرة للمشهد.
لا يمكن توقيع اتفاق نفط ومنح "الدعم السريع" حصته دون قناة مالية. هكذا تفكر المنظومة، ولذلك قلنا لكم في تحليلنا ما وراء الكواليس.
هجليج: لحظة الانكسار الصامت
سقوط هجليج لم يكن مجرد حدث ميداني، بل كان لحظة سياسية محرجة للسلطة في بورتسودان.
النفط الذي كان يُستخدم كورقة سيادية، تحوّل فجأة إلى ورقة تفاوض.
هنا دخلت الخرطوم – مرغمة – في معادلة جديدة: إما إعادة ضخ النفط عبر ترتيبات مع جوبا وحميدتي، أو شلل اقتصادي خانق في زمن الحرب.
وهكذا وُلد اتفاق هجليج؛ اتفاق ظاهره طاقة، وباطنه اقتصاد حرب.
لماذا لا يوجد نفط بلا بنك؟
أي اتفاق نفطي في زمن الحرب يحتاج إلى قنوات تحويل، أدوات سيولة، ومسارات مالية خارج الرقابة التقليدية، لأن البنوك الرسمية لا تتحرك بسهولة تحت الضغط الدولي. وهنا تكمن القصة: "بنك نيالا" ليس مجرد مؤسسة، بل هو إعلان سيادة اقتصادية. ظهور تطبيق مالي موازٍ يعني قيام اقتصاد ظل لا يعترف ببورتسودان ولا ينتظر ختم بنك السودان، وهذا أخطر على الدولة من سقوط مدينة.
بيان بنك السودان… اعتراف بلا رتوش
تحذير البنك المركزي كان اعترافاً رسمياً بأن الدولة فقدت السيطرة على جزء من الدورة النقدية، وأن هناك جهة أخرى تدير المال خارج النظام. الحرب دخلت مرحلة "السيادة الاقتصادية المتنازعة"، وهذا يفسر تأخر التحذير وصيغته المرتبكة.
هل فُرض بنك نيالا في هجليج؟
لا توجد وثيقة تقول ذلك حرفياً، لكن الترتيبات الخلفية تشير إلى نمط واضح عبر ثلاثة مؤشرات:
- التزامن الزمني بين هجليج وظهور البنية المالية الموازية.
- الصمت الرسمي الطويل قبل التحذير.
- التحركات الإقليمية المتزامنة (تشاد – فرنسا – شبكات التهريب).
هذه ليست هزيمة عسكرية للبرهان، بل هي خسارة احتكار الدولة للنقود، وفقدان مركزية القرار المالي، وقبول عملي بتعدد السلطات الاقتصادية.
فرنسا والتوازن الاقتصادي: الوجه الآخر للحرب
الغرب تعلم من ليبيا والعراق أن السلاح وحده يصنع فوضى، والاقتصاد وحده يصنع دويلات، والجمع بينهما يصنع مناطق نفوذ قابلة للإدارة.
لقاء الكتلة الديمقراطية مع الوفد البريطاني في بورتسودان:
- المكان: اللقاء في بورتسودان اعتراف بمركز القرار الحالي، ورسالة بأن أي تسوية ستمر عبر هذا المعسكر.
- الشخصيات: وجود جعفر الميرغني ونبيل أديب يعني تسويق الكتلة كبديل مدني "منضبط" دولياً.
- الخطاب البريطاني: لندن تبحث عن شريك سياسي وواجهة مدنية للتسوية القادمة.
- الشفرة الدبلوماسية: عبارة "تهيئة المناخ لعملية انتقالية" تعني أن الانتقال قادم لكن بشروط ووجوه جديدة.
لماذا حمدوك وتحديداً تحالف "صمود"؟
حمدوك بالنسبة لبريطانيا هو "رجل الثقة" والواجهة المدنية النظيفة دولياً، وحلقة الوصل لإعادة السودان إلى "المسار الليبرالي الدولي". أما تحالف "صمود"، فهو محاولة لإعادة إنتاج المشهد المدني بوجوه "واقعية" تقبل بالشراكات الرمادية، بعيداً عن القوى الثورية الصدامية.
بريطانيا لا تبحث عن الديمقراطية بقدر بحثها عن "الاستقرار الوظيفي": تأمين الموانئ، البحر الأحمر، ومنع تمدد الخصوم الدوليين.
خاتمة - السؤال الحقيقي للسودانيين
ما يجري هو صراع نفوذ دولي لإعادة تشكيل الدولة وتحويل السودان إلى ملف إدارة دولية طويلة الأمد. المعركة الحقيقية ليست "من يحكم؟" بل "من يقرر؟". هل يخرج القرار من الداخل، أم يظل حبيساً في غرف المبعوثين في لندن وواشنطن؟ هنا يكمن التحدي الحقيقي للوعي السوداني.





