🟥 تغطية المنظومة أونلاين للمشهد السوداني
✍️ زاهر مستر ظط
مقدمة المقال:
هناك لحظات في تاريخ الدول تكون أثمن من الذهب.
لحظات لا علاقة لها بالنصر العسكري أو الهزيمة، بل بإمكانية تغيير مسار الحاضر إلى مستقبل مختلف.
إحدى تلك اللحظات كانت المبادرة التي حملها كامل إدريس أمام مجلس الأمن:
- هدنة إنسانية → حكومة إغاثة لـ٩ شهور → سلطة مدنية كاملة → بداية بناء جيش قومي موحد.
- اليوم، قد يبدو هذا التسلسل بديهياً.
لكن في اللحظة التي عُرضت فيها المبادرة، كان الرفض أسرع من التفكير.
كان تعبيراً عن إرهاق جماعي، لا حسابات دقيقة.
قراءة عميقة:
لكن لو جلسنا لنفكر، ونعيد تركيب الأحداث، سنكتشف أن تلك التسعة شهور كانت يمكن أن تغيّر موقع تحالف صمود بالكامل:
من فاعل صوتي إلى فاعل مؤسسي.
دعونا نرسم السيناريو الذي كان ممكنًا — لا كخيال، بل كتسلسل واقعي مبني على بنود المبادرة نفسها — ولنبدأ من البداية:
المرحلة الأولى: الهدنة الإنسانية والضغط الدولي
لو وافق صمود، لكانت الهدنة تحولت من مبادرة فردية إلى مطلب وطني.
حينها، الرباعية لن تتعامل مع المبادرة كوثيقة إدريس فقط، بل كموقف سياسي داخل السودان.
ذلك سيعطي صمود موقعًا تفاوضيًا قويًا أمام المجتمع الدولي.
وسيمنحه القدرة على المطالبة بإشراف مباشر على تنفيذ الخطة الإنسانية، وبالتالي الدخول في غرف اتخاذ القرار مبكرًا.
المرحلة الثانية: حكومة الإغاثة — تسعة شهور من الشرعية المؤسسية
في هذا السيناريو، لو شارك صمود، لكان أحد الأطراف الرئيسية في تشكيل حكومة الإغاثة، إما عبر ممثلين مباشرين أو عبر تأثيره على اختيار شخصيات مستقلة متفق عليها.
كان هذا سيمنحه شرعية تنفيذية دولياً ومحلياً.
ولكان صمود هو من يحدد — لا يعترض فقط — على مستوى دخول القوات الدولية وترتيبات الإغاثة.
هذه المرحلة كانت ستصنع ثلاثة مكاسب استراتيجية:
- تموضع صمود كفاعل مؤسسي وليس معارضاً خارجياً
- خفض الضغط الإنساني الذي استنزف أيضًا قواعده الشعبية
- تأسيس علاقة عمل مع الرباعية بدل علاقة مطالب.
المرحلة الثالثة: الخروج التدريجي للدعم السريع:
المساحة الذهبية لصمود
لو قبل صمود المبادرة، لكان يمكنه أن يربط كل انسحاب من الدعم السريع بخطوة عملية في بناء الجيش القومي.
كان بإمكانه:
- المطالبة بتجريد معين من الأسلحة
- اقتراح دمج وحدات تحت قيادات متقاعدة محترفة
- وضع جداول زمنية لا تسمح بالتلاعب
- تعيين مراقبين سودانيين محايدين داخل لجان المتابعة الدولية
هذه الخطوات كانت ستعني أن صمود لا ينتقد فقط، بل يصنع الشرعية العسكرية الجديدة.
لن يكون مجرد صوت — بل قلم يكتب قواعد الجيش القادم.
المرحلة الرابعة: انتقال السلطة للمدنيين — نهاية مؤلمة أو بداية جديدة؟
بعد تسعة شهور، كانت المبادرة تنص على تسليم السلطة للمدنيين بشكل كامل.
لو كان صمود مشاركًا في صياغة الطريق، لكان الآن — في هذا السيناريو — أكبر كتلة مدنية منظمة لها امتداد جماهيري.
ولكان قادراً على:
- خوض انتخابات
- صياغة دستور
- تحديد صلاحيات الجيش
- تمثيل النازحين وأصحاب المصلحة من مناطق النزاع
الرفض — مهما كانت أسبابه — حرم صمود من هذا الموقع، وتركه في خانة التعليق على الأحداث بدل صناعتها.
النتيجة الكبرى للسيناريو الضائع
لو قبل صمود، لكان في نهاية التسعة شهور:
- لديه شرعية دولية
- لديه مساحة تنفيذية
- لديه بصمة واضحة في الجيش القومي
- لديه علاقة تفاوضية مع الرباعية
- لديه حضور سياسي فوق الأرض لا فقط في الميدان الإعلامي
لكن الرفض — وإن جاء بدوافع وطنية وإحساس أخلاقي — أضاع هذا المسار.
ومع الوقت، تراجع وزن الفعل لصالح صوت الاعتراض.
خاتمة المقال:
هل انتهى الأمر؟
لا.
الفرصة — كما قلت سابقاً — لا تموت.
لكن حين تعود، تعود بشروط أصعب.
وإن أراد صمود اليوم استعادة ما ضاع، فعليه إعادة صياغة المبادرة كشريك لا كخصم، وأن يدخل إلى منطقة التفاوض لا منطقة الغضب.
السياسة فرصة.
لا تعود بذات الملابس، لكنها تعود.
ومن يفوّتها مرة… يجب أن يتعلم كيف يمسك بها حين تعود بوجه مختلف.
تسعة شهور لم تعش — لكنها كانت يمكن أن تغيّر كل شيء.
والسؤال اليوم ليس “من أخطأ؟”
بل: هل سنكرر الخطأ إذا عادت الفرصة؟





