🟥 تغطية المنظومة أونلاين للمشهد السوداني
✍️ زاهر مستر ظط
مقدمة:
مبادرة كامل إدريس بين القاهرة والخرطوم: شرعية الشخص أم شرعية الدولة؟
في المشهد السوداني المعقّد، لا يأتي تصريح بلا حساب، ولا تُطلق المجاملة السياسية دون أن تكون محمّلة بإشارات أعمق من ظاهرها.
هذا ما يمكن قراءته بوضوح في تصريحات كامل إدريس الأخيرة، التي وصف فيها الفريق أول عبد الفتاح البرهان بـ "أشجع قائد عسكري على وجه الأرض".
قد تبدو الجملة بسيطة للوهلة الأولى، وربما يراها البعض كلمة تشجيع أو محاولة لإعادة توازن ثقة مفقود، لكن الحقيقة أن التصريح يحمل رسالة سياسية تتجاوز البرهان نفسه، وتمتد إلى كيفية تعريف المجتمع الدولي لدور السودان في الحرب الجارية.
قراءة عميقة:
السؤال المركزي هنا:
هل أراد كامل إدريس دعم البرهان كرمز للدولة، أم تثبيته كطرف في الحرب؟
وهذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه دون النظر إلى التزامن اللافت بين تحركات إدريس، وتصريحات الخارجية المصرية، وبيانات الجامعة العربية، وما يمكن وصفه بـ الانحناءات الدقيقة في مسار الشرعية السياسية.
تصريح كامل إدريس: دعم أم تصنيف؟
عندما يقول إدريس إن البرهان هو "أشجع قائد عسكري على وجه الأرض"، فهو لا يضيف اسمه لقائمة المديح المجاني، بل يفتح باباً لإعادة تعريف البرهان في السرديات الإقليمية والدولية.
مؤشرات:
فالبرهان، بالنسبة لجزء من المجتمع الدولي، لم يعد الرئيس الفعلي للدولة، بل أصبح طرف حرب يحمل قوة عسكرية وواقعاً ميدانياً لكنه يفتقد الاعتراف المؤسسي الواضح. هنا تكمن المفارقة:
كامل يرسل رسائل دولية:
تصريح إدريس يعيد للبرهان رمزية شخصية، لكنه لا يعيد له تلقائيًا رمزية الدولة.
وهو ما يتقاطع موضوعيًا مع رؤية دولية تعتبر السودان “ساحة صراع” لا “كيان دولة مكتملة الشرعية السياسية”.
بمعنى آخر، قد يخدم التصريح شرعية البرهان كشخص، لكنه لا يخدم بالضرورة شرعية السودان كدولة في إطار العلاقات الدولية.
التناغم المصري:
الخارجية المصرية: إعلان واحد معتمد… ومبادرة لم تُذكر
في الوقت نفسه، خرجت الخارجية المصرية عبر وزيرها بتصريح لقناة “سكاي نيوز”، قالت فيه إن الإطار الوحيد المعتمد حالياً هو بيان 12 ديسمبر، وهو بيان الرباعية الذي يحدد خارطة الطريق من خلال هدنة، ومناطق ملاذ آمن، ومسار إنساني أولي.
المثير في هذا التصريح ليس ما قيل، بل ما تم تجاهله.
فمصر لم تعلن دعماً لمبادرة كامل إدريس، رغم تداولها في الإعلام، ورغم أن القاهرة كانت في لحظة تحتاج فيها إلى موقف واضح تجاه السودان.
هذا التجاهل ليس صدفة، بل يحمل قراءة سياسية:
مصر لا تريد الاعتراف بإطار سياسي لا تسيطر عليه.
الاعتراف بالمبادرة يعني الاعتراف بكامل إدريس كفاعل سياسي مستقل.
القاهرة تفضل الاحتفاظ بمفاتيح الشرعية في يدها، لا في يد المبادرة نفسها.
هنا نصل للمعادلة:
إدريس يرفع البرهان معنويًا — ومصر ترفع المبادرة وظيفياً — لكن دون اقتران مباشر.
الجامعة العربية: الغطاء الرمزي
الجهة الوحيدة التي أصدرت بيانًا داعمًا لمبادرة كامل إدريس هي الجامعة العربية.
هذا الدعم يشبه مظلة صغيرة في عاصفة كبيرة — فهو يمنح المبادرة غطاءً رمزيًا لكنه لا يفرض التزامًا فعليًا على الدول. الجامعة العربية، في اللحظات الحرجة، تُستخدم للتعبير عن "إرادة ناعمة" لا تعني بالضرورة "قدرة تنفيذية".
لذلك، يمكن اعتبار بيان الجامعة خطوة تمهيدية، أكثر منه تحولاً استراتيجياً.
المسار المشترك: حيث يلتقي إدريس ومصر دون توقيع
ورغم غياب الدعم العلني، يمكن ملاحظة تقاطع واضح في الأولويات.
فكامل إدريس قال في مقابلة على CNN أن أهم بنود مبادرته هو "الجوانب الإنسانية" — أي الهدنة وتخفيف المعاناة وإعادة ضبط الوضع الميداني.
هذا بالضبط ما طرحته مصر في تفسيرها لبيان 12 ديسمبر:
هدنة — ملاذات آمنة — معالجة إنسانية — قبل أي مسار سياسي.
هذا التقاطع لا يعني تحالفاً صريحاً، لكنه يعني توازياً في المرحلة الأولى.
وكلا الطرفين يبدآن من نقطة مشتركة:
- “الإنساني قبل السياسي — التهدئة قبل التسوية — إدارة الصراع قبل إنهائه.”
- النتيجة: شرعية تحت البناء
- إذا جمعنا كل الخيوط، تتشكل أمامنا صورة دقيقة:
- إدريس يمنح البرهان شرعية شخصية عبر المديح.
- مصر تمنح شرعية وظيفية عبر مسار الرباعية.
- الجامعة العربية تمنح شرعية رمزية عبر البيانات.
- والمجتمع الدولي يمنح البرهان تعريفًا كطرف لا كرأس دولة.
- وبهذا تتحرك المبادرة على مسارين متوازيين:
- تثبيت موقع البرهان داخل سردية الحرب.
- فتح باب الهدنة كأرضية لإدارة الصراع وليس إنهائه.
خاتمة: من يملك المفاتيح؟
في النهاية، تبدو مبادرة كامل إدريس كاتباً يطرق باباً من الجانب، بينما يحمل المصريون المفتاح من الداخل.
وقد يكون مستقبلها مرتبطًا بقدرتها على تحويل الهدنة الإنسانية إلى إطار سياسي متماسك — أو قد تبقى مجرد مرحلة أولى تدير الألم ولا تحسمه.
الجملة التي تلخص المشهد:
كامل إدريس يمنح البرهان صورة القائد… ومصر تمنحه وظيفة في خارطة الطريق… لكن المجتمع الدولي ما زال يمنحه مقعد طرف الحرب لا مقعد الدولة.
وهنا يكمن جوهر المعركة القادمة:
من يحدد شرعية السودان؟ الشخص… أم الدولة؟





