🟥 تغطية المنظومة أونلاين للمشهد السوداني
✍️ زاهر مستر ظط
مقدمة:
في العادة، تُدار الحروب في السودان بالبنادق والبيانات والتكذيب المتبادل. لكن ما لم ينتبه إليه كثيرون هو أن جملة واحدة في إحاطة كامل إدريس أمام مجلس الأمن، كانت كفيلة بإعادة ترتيب المشهد دون إطلاق رصاصة.
تلك الجملة لم تتحدث عن “نصر” أو “هزيمة”، ولا عن “الحسم العسكري” الذي ملّ السودانيون سماعه، بل جاءت في صيغة بسيطة وخفيفة ومباشرة: فتح الممرات الإنسانية وإدخال المساعدات دون عوائق.
لكن في السياسة، ما يبدو إنسانياً في السطح، قد يكون أكثر القرارات عسكرية في العمق.
لنبدأ من الأساس:
الأمم المتحدة، وتحديدًا مجلس الأمن، لا يمنحك وقف إطلاق نار شامل بسهولة، لأن وقف النار يعني اعترافًا ضمنيًا بالوضع العسكري على الأرض، وقد يُفهم كمنح شرعية لطرف أو نزعها من طرف آخر. لهذا، غالبًا ما تبدأ الحكاية بـ هدنة إنسانية.
الهدنة الإنسانية لا تجرح الكبرياء العسكري، ولا تسقط شعارات “سنستعيد البلد” أو “لن نستسلم”.
هي هدنة “بالعافية”، تشبه قول الطبيب للمريض:
- "ما حا نقطع ليك العملية الليلة، لكن لازم نوقف النزيف أول."
- وهذا ما فعله كامل إدريس.
- حين قال: “الجوانب الإنسانية أولويتنا وفتح الممرات شرط لنجاح المبادرة”، لم يكن يتحدث عن دقيق وزيوت وخيام فقط.
- كان يتحدث عن تجميد القتال فعليًا، حتى لو لم يُسمّ باسمه.
دعنا نحلل:
- إذا فتحت الممرات،
- وتدفق الإغاثة،
- ودخلت فرق الأمم المتحدة،
وتحرّكت منظمات الإغاثة بين خطوط النار،
فإن أي طرف لن يستطيع استخدام الطائرات في المناطق ذات الكثافة المدنية دون أن يتحول فورًا إلى متهم دولي.
وأي قصف في ظل وجود موظفي الأمم المتحدة يُترجم مباشرة إلى توثيق وإحالة ومساءلة.
وبالتالي، بدون توقيع رسمي أو إعلان قوي، يصبح الطرفان مجبرين على خفض مستوى القتال.
وهذه بداية هدنة طويلة تمتد وتتجذر.
الرباعية — التي تتصدرها الولايات المتحدة والسعودية مصر والإمارات مع دور واضح بريطاني — فهمت الرسالة فورًا.
لم تكن بحاجة إلى المزيد.
فمجرد وضع “الممرات الإنسانية” في قلب المبادرة يعني انتقال الصراع من ساحة الحرب إلى ساحة الشرعية الدولية.
وحين تنتقل الحرب إلى الشرعية الدولية، يبدأ العد التنازلي للفاعلين المسلحين، لأن السلاح يخضع لوضع جديد: سلاح تحت الكاميرات، لا تحت التغطيات الإعلامية المحلية فقط.
لكن هنا النقطة الجوهرية:
الهدنة لم تكن هدفًا، بل كانت وسيلة.
وسيلة لخلق تسعة شهور من الهدوء النسبي، تسمح ببناء سلطة انتقالية + إغاثة واسعة + مسار عسكري جديد ينتهي إلى جيش قومي موحد.
هذه كانت روح المبادرة.
إذن، لماذا لم تُقرأ بهذا الشكل؟
لأن المشهد السياسي السوداني منذ سنوات يعيش على الأصوات العالية، لا الإشارات الصامتة.
لأن الخطاب السياسي في السودان اعتاد على الانتصارات اللفظية، بينما المبادرة كانت انتصاراً تكتيكياً ناعماً.
والأهم أن المبادرة وُضعت في سياق “خريطة الرباعية”، التي تراها واشنطن حبل النجاة الوحيد قبل أن ينفلت الوضع أكثر ويتحول السودان إلى صومال موسّع أو ليبيا ثانية.
ولذلك، كانت الهدنة الإنسانية — برغم بساطتها — أداة لفتح باب المرحلة الجديدة: حكومة إغاثة، سلطة مدنية لاحقًا، ثم صياغة مؤسسة عسكرية موحدة.
وهنا نصل للجزء المؤلم:
- تحالف صمود رفض المبادرة.
- تحالف تأسيس رفض المبادرة.
رفضوها لأنهم رأوا فيها “خروج الدعم السريع دون حسم”، بينما الحقيقة أن المبادرة كانت المسار الوحيد الممكن لخروج الدعم السريع بالتدرج وبضمانات دولية.
كان الرفض — مهما كانت مبرراته — خطأ في قراءة اللحظة التاريخية.
فالرباعية كانت تقول:
"توقفوا ٩ شهور… نبني بعدها بلد يمكن أن يتنفس."
لكن الداخل السوداني كان مشغولًا بمعركة الأصوات، فغابت اللحظة الذهبية.
في السياسة، لا توجد لحظات كثيرة تُهديك فرصة وقف حرب دون هزيمة طرف كامل.
وحين تأتي تلك اللحظة، يجب أن تُمسك بها، لأنها قد لا تتكرر.
كامل إدريس قدّم تلك اللحظة على طبق من كلمات إنسانية.
لكن الرفض كان أسرع من الفهم، وأعلى من الاستماع.
وبرغم ذلك — وهذه قيمة اللحظة —
الهدنة غير المعلنة ما زالت حاضرة في ذاكرة الرباعية.
ما زال الباب مفتوحًا، ولو بصعوبة.
وإذا عاد اللاعبون إلى الطاولة، سيجدون أن الحجر الأول ما زال في مكانه… ينتظر البناء.
في الحرب، النصر ليس دائمًا إطلاق النار.
خاتمة المقال:
الكيزان لم يضعوا مبادرة كامل ادريس لأنهم هاجموه ولأنها متناغمة مع الرباعية.
أحيانًا، هو القدرة على إيقافها دون أن يقول أحد إنه تراجع.
هذه كانت عبقرية الجملة التي نطقها كامل إدريس… والوقت وحده سيكشف إن كنا سنفهمها متأخرين أم لا.
كامل ادريس لم يخطط لشئ بل خُطط له من خلاق إختراق دولي للملف السوداني.. لأنهم هو الوحيد المتاح بأن يكون هو رئيس حكومة الإغاثة التي عمرها ٩ شهور.. لانه لا يوجد وقت للتجريب.





