🟥 تغطية المنظومة أونلاين للمشهد السوداني
✍️ زاهر مستر ظط
مقدمة:
لم يعد ما يجري في السودان مجرد حرب داخل حدود دولة أنهكتها الانقسامات، ولا مجرد صراع عسكري بين أطراف متنازعة على السلطة. الصورة الأكبر تتشكل أمامنا بسرعة: السودان يتحول إلى نقطة ارتكاز في معادلة إقليمية معقدة، تتقاطع فيها حسابات واشنطن، وتوازنات القاهرة، وطموحات أديس أبابا، وتحركات الفاعلين الدوليين في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
من مياه النيل واتفاقياتها التاريخية، إلى مبادرات التسوية الدولية، إلى إعادة التموضع العسكري والسياسي داخل السودان نفسه — نحن أمام لحظة إعادة ترتيب شاملة لموازين القوة، لا تُدار بردود الفعل بل بخطط طويلة النفس تُكتب خارج الحدود وتُختبر داخلها.
هذه المقال ليس محاولة لتضخيم الأحداث، ولا للغرق في نظريات المؤامرة، بل قراءة واقعية لمسارات تتقاطع على الأرض:
كيف يتحول السودان إلى ساحة موازنة بين مصر وإثيوبيا؟
كيف تستخدم القوى الكبرى أدوات الاقتصاد والسياسة والهدنات لإعادة تشكيل المشهد؟
وأين يقف الفاعل السوداني داخل هذه المعادلة — لاعباً أم ورقة على الطاولة؟
ثلاث اقسام تحاول تفكيك هذه الأسئلة، برؤية واقعية مصحوبة بتفاؤل حذر، لأن فهم المشهد ليس ترفاً فكرياً… بل شرط أساسي لعدم الخروج من التاريخ بينما يُعاد رسمه من حولنا.
🟦 السودان في عين العاصفة: عندما تتحول الجغرافيا إلى قدر سياسي
في عالم السياسة، ليست كل الدول تختار أدوارها… بعض الدول تُلقى في قلب المسرح رغماً عنها. والسودان اليوم ليس مجرد دولة تمر بحرب داخلية؛ بل عقدة جغرافية تتقاطع فيها خرائط الأمن الإقليمي والطاقة والمياه.
الحرب لم تعد تُقرأ كصراع سلطة بين طرفين عسكريين فقط. الواقع على الأرض كشف أنها ساحة إعادة توزيع نفوذ:
- - البحر الأحمر
- - القرن الإفريقي
- - خطوط التجارة العالمية
- - وممرات النفوذ الدولي
واشنطن لا تنظر للسودان كملف إنساني فقط، بل كنقطة تثبيت توازن إقليمي. ولهذا تتعامل بأكثر من مسار:
احتواء الحرب — منع الانهيار — تجهيز بيئة سياسية انتقالية قابلة للإدارة.
وهنا الخطأ الشائع: الاعتقاد أن القوى الكبرى تبحث عن منتصر عسكري.
الحقيقة أنها تبحث عن استقرار يمكن التنبؤ به.
النتيجة على الأرض:
- - لا أحد سيُسمح له بالحسم الكامل
- - ولا أحد سيُسمح له بالسقوط الكامل
السودان يتحول تدريجياً من ساحة صراع إلى ساحة ضبط توازن.
💠 الخلاصة
الواقع قد يبدو فوضوياً… لكنه ليس عشوائياً.
ما يحدث ليس خروجاً عن السيطرة — بل إعادة تشكيل للسيطرة نفسها.
🟪بين القاهرة وأديس أبابا: السودان كميزان لا كساحة
مع تصاعد خطاب إثيوبيا حول دور أمني إقليمي، ومع حساسية مصر تجاه مياه النيل، يدخل السودان تلقائياً إلى مركز المعادلة — لا كطرف تابع — بل كوزن توازن.
إثيوبيا تسعى لتقديم نفسها كضامن استقرار في القرن الإفريقي، ما يمنحها شرعية سياسية تتجاوز ملف السد.
ومصر، التي ترى أمن المياه مسألة وجودية، تتحرك لمنع أي تغيير جذري في قواعد تقاسم النيل.
وهنا يظهر التحول المهم:
الضغوط الدولية السابقة دفعت القاهرة إلى التفاوض الفني، لكنها لم تدفعها للتنازل الاستراتيجي.
في المقابل، أديس أبابا رسخت واقعاً مادياً على الأرض يصعب تجاهله.
النتيجة:
السودان يصبح نقطة التوازن الوحيدة القادرة على ترجيح كفة الاستقرار.
إذا اقترب من مصر — يتشدد الميزان
إذا اقترب من إثيوبيا — يتمدد
وإذا حافظ على الوسط — يصبح لاعباً لا ملعباً
💠 الحقيقة الثقيلة
من لا يدرك موقعه في ميزان القوى… يتحول إلى أداة فيه.
أما من يدركه — يستطيع إعادة تعريف دوره بالكامل.
🟩 اللحظة الأمريكية: هل تُعاد صياغة معادلة النيل؟
في السياسة الدولية لا تُطلق المبادرات عبثاً.
عندما تدخل واشنطن ملفاً بحجم مياه النيل، فهي لا تبحث عن وساطة تقنية — بل عن إعادة ضبط إقليمي شامل.
أي مبادرة جديدة قد تحمل ثلاث رسائل ضمنية:
1️⃣ تثبيت الاستقرار في القرن الإفريقي
2️⃣ منع صدام مصري إثيوبي مكلف
3️⃣ إدخال ترتيبات مرنة بدلاً من صيغ جامدة تاريخياً
وهنا يصبح السودان محور الحركة، لأن استقراره يحدد شكل التوازن بالكامل.
لكن الواقعية تفرض التفاؤل الحذر:
- - مصر ستقاوم المساس بجوهر مصالحها
- - إثيوبيا ستدفع لتكريس الواقع الجديد
- - وواشنطن ستبحث عن صيغة وسط تحفظ النفوذ للجميع
💠 الرؤية
السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس كسر المعادلات القديمة…
بل تليينها تدريجياً حتى تصبح قابلة للتكيف.
السياسة ليست انقلاباً مفاجئاً دائماً —
أحياناً تكون مجرد تغيير بطيء في اتجاه التيار.
✋ المنظومة أونلاين
السودان ليس هامش القصة… بل الصفحة التي يُكتب عليها مستقبل التوازن الإقليمي.





